عندما يكون مرتب دكتور يعمل في معمل أبحاث علوم الأنسجة القابع على سطح كلية طب الأسنان لا يتجاوز 380 جنيه، بالطبع ستعرف بدون أدنى مجهود عقلي مكان النقطة التي أتحدث عنها على الخريطة.
يسألك إعلان في ميدان التحرير "ليه بنحب مصر؟" فتبدأ محاولات الإجابة التي تبدو للوهلة الأولى إجابة سهلة ومحددة أمام عينيك وبعد ثوان معدودة تكتشف أن السؤال صعب بل انه قد يكون من خارج المقرر.
مقرر حياتك اليومية التي تبدأ بزحام مروري يصيب خلايا عقلك الذي لم يخمد طوال الليل من التفكير في المجهول بحالة من الإرهاق وكأنك خارج لتوك من أعمال بحثية استغرقت كل ذرة تفكير يستطيع تقديمها عقلك.
بعد حالة من الإنهاك، تبدأ في الإندماج في العمل لاعناً تلك الأوجه التي تنظر اليك على أنك من كوكب آخر غزوت أرضهم فجأة لتبني مستعمرتك الخاصة، وعلى الرغم من تلك النظرة فستجد التحية سبيلاً للوصول إلى أذنيك فترد التحية في اللحظة التي يشعر فيها قلبك بحالة من الخوف و القرف في اللحظة نفسها.
بعد حوالي خمس دقائق تتوزع ثوانيها على عمل "تشك" للإيميلات الثلاث و الإطمئنان بشكل سريع على حالة "الفيس بوك" هذا الصباح، تبدأ المكالمات الصباحية في تحميلك مسؤوليات وكأنها الجبال قد حطت فجأة على صدرك.
تبدأ الأوجه التي لم تفلح ثلاث سنوات من العمل معها و مزاملتها في تقريبها إلى قلبك أو حتى عقلك في التوافد على مكاتبها وكانها محمولة على النعوش التي ستضعها في القبور حتى يوم القيامة.
أسئلة روتينية ليس لها اجابة حتى هذه اللحظة تترامى على شواطئ مسامعك، حالة من التوهان الممزوج بالإحباط و القلق تسيطر على جدران الجريدة والصحفيين بداخلها، كل يلعن حظه الذي أوصله للكرسي الذي يحمله، فيما وصل زميل آخر لمرحلة التنفيض التام و الهلك الزئام، ويحسدك الجميع على ماوصلت له من منصب في الجريدة ظناً منهم أنك من الأخيار لدى رئيس التحرير.
يقترب موعد رسم الصفحة فيزيد التليفون من بخاته المزعجة و المقلقة في الوقت نفسه، يخرج من سماعته صوت غاضب يتسائل عن موضوع تم تسليمه بالفعل يوم أمس ولكن العتب على النسيان! يواصل الصوت الغاضب اختراق سماعة التليفون بحثاً عن أي مبرر آخر لزيادة الغضب ورفع الصوت استعداداً لإغلاق السماعة فجأة.
تقنع نفسك بأن تتحول إلى "سفنجة" لتستطيع امتصاص أي كائن سائل أو لزج من الموجودين بوفرة في الجريدة، لتدخل في حالة من الإنخراط التام في العمل متجاهلا التيارات الكهربائية التي تملأ الأجواء الملبدة بدخان السجائر الرديئة التي يلتهمها الصحفيين بشراهة غريبة وكأنها سبب بقائهم على وجه الحياة أو بشكل أدق على "قفاها"!
تواصل العمل متنقلاً بين القسم و مكتب رئيس التحرير و غرفة الإخراج الفني في محاولة يومية فاشلة لإنهاء العمل و تجهيز الصفحة في أقل وقت ممكن، وتستمر عقارب الساعة في لدغك عدة مرات إلى أن تنجح في عبور منطقة الساعة الثانية و النصف بنجاح منقوص يتخلله عبارات و ايماءات عدم الرضا عن الأداء العام لا لشئ سوى مواظبة على الممارسة اليومية لهواية "الرخامة".
تعود إلى مكتبك بالقسم وسط مخاوف من ظهور مصيبة من النوع العاجل التي تصيب الجريدة بحالة هلع و كأن قنبلة موقوتة في انتظار من ينزع فتيلها، تحاول سرقة بعضاً من الهدوء الذي حرمه رغي الزملاء من الوصول إلى القسم، ومحاولات جادة للإبتعاد عن الحوار الدائر في القسم والذي عادة ما يكون عبارة عن شائعة انطلقت مؤخراً إما بقرب جولة تعيينات جديدة أو نقاش حول مزاعم جديدة تخص زيادة المرتبات.
تمر الدقائق متثاقلة حتى تصل إلى الخامسة فتحمد الرب على نعمة الإبتعاد عن ذلك المكان و الإستمتاع برؤية وجوه أخرى تحبها و تفضل الحديث معها ولها، بينما يتسائل تفكريك عن موعد الرحيل الأبدي عن تلك الجدران ليرد عقلك على الفور باجابته الفورية المملة بأن الأيام بتجري بسرعة على الرغم من أنها لا تستطيع الجري أصلاً!
No comments:
Post a Comment